الحقيقة الأسبوعية



اسمع راديو


 

مقالات

الرئيسية

 

 نتف من الذاكرة همومي الشخصية 1-3

  بقلم : إبراهيم مالك

تردّدتُ كثيرا ًقبل الشروع في كتابة هذه المقالة الموجزة نسبيا. ناقشت نفسي كثيرا حتى أقنعتها. خلُصْتُ إلى قناعة أن الكاتب يجدر ويجمل به أن يكون شديد الشفافية مع قارئيه الذين ينظر إليهم باحترام وأمل، يتحدث إليهم ويشركهم بهمومه الشخصية، خاصة ذات السمة المجتمعية، يطلعهم على ما يتفاعل في عقله من فكرٍٍ وحلم، وما يشغل هواجسه من تطلعات وما يأمل في أن يكونوا كما يتمنى لنفسه حين يخلو إليها يحاورها ويبادلها الفكرة.

أستعرضnbsp; الذاكرة ما سمحت وما لم تخنني، أستعرض سنوات عمري العشرين الأخيرة، عشت فيها سبع سنوات من المرض، الشلل النصفي – منذ شباط 2003 وحتى يومنا، سبع سنوات بطالة وستة أعوام عمل، هي أقرب للسنوات العجاف، خبزي كفاف يومي.
دخلت سنوات البطالة في أواخر الثمانينات، وكنت فقدت عمل الاحتراف في الحزب الشيوعي، وفي أوائل التسعينات من القرن الماضي بدأتْ فعلا همومي الشخصية واضطراباتي النفسية وبتُّ أواجه عواصف عقلية شديدة، ازدادت شراستها في نفسي، لأنني كنت أخفي أحزاني حتى عن أقرب الناس لدي. وسرعان ما بدأت أحس ضائقة البطالة الموجعة: شعور مخيف وقاتل أن تحس أنك فائض عن الحاجة، فلست مؤهلا نفسيا ولا مهنيا للعمل في أعمال سوداء مذلة أو مؤسسات سلطوية، فهذه المؤسسات هي نقيض ذاتك وشخصك وحلمك في الحياة، أو أن تقبل الإنضمام إلى تنظيم طائفي أو اجتماعي، هو أدنى قامة إجتماعية مما كنت واعتدته طيلة أربعين سنة من عمرك، شعور رهيب هو أن تجلس في البيت وتدرك في قرارة نفسك أن ما من شيء لديك لتنجزه، خاصة وأن عقلك يعي جيدا وعميقا أن العمل هو جوهر الحياة، جوهر الإنسان.
في النصف الأول من التسعينات، سنوات البطالة الأولى، بدأت تتضح الصورة على حقيقتها، صورة الضائقة المالية الخانقة. في تلك السنوات أنقذني من عاهة وحاجة التسول عزة النفس وواقع أن زوجتي كانت تعمل في مدرسة راهبات الكرمليت في حيفا.
أذكر جيدا كيف صبرت معي وصابرت، مخففة بذلك من ألمي النفسي. لكن تلك السنوات شهدت بعض أعراض البطالة في حياتي وبدأ يكبر همي الأساس: وضعي المالي.
يومها لم أعد قادرًا على تسديد قرض بنك الإسكان (المشكنتا)، بدأت الديون تتراكم ونشأ معها وضع بدا العاملون في البنك يلمحون إلى احتمال مصادرة البيت الذي بنيناه، زوجتي وأنا، بعرق الجبين ومساعدة عدد من الأصدقاء وببعض أموال البنك. ازدادت المسألة حراجة وإحراجا، حين بدأ البنك بالضغط على أصدقاء كفلوني يوم أخذت القرض المذكور. بدأت أشعر بخجل موجع. تأملت حالة أصدقائي، سألت نفسي ما ذنبهم وجلهم فقراء مثلي، أذكر بعضهم: صلاح دباجة، خالد شريف، داوود بدر (من دنون، كان زميل دراسة في ألمانيا ولاحقا زميل عمل فيnbsp; جريدة الإتحاد الحيفاوية) وأخي علي مالك، طاب ذكره.
في تلك الأيام وجدتني أقترح على زوجتي أن نبيع بيتنا، نسكن في الإيجار وندفع قرض الإسكان، فنريح أصدقاءنا من همه ونريح أنفسنا كذلك. بكت زوجتي يومها بحرقة، ثم طلبت مني أن أفعل ما أشاء. وفي أقل من أسبوع وجدت مشتريا، بعت البيت بسعر بخس، فدفعت قرضين، قرض البنك وقرضا كنت أخذته بالسوق السوداء بفائدة شهرية قدرها ستون بالمائة. والمبلغ المتبقي أعطيته لزوجتي، على أمل أن نجد أرضا بسعر نتحمله ونبدأ تدريجيا نبني سكنا لنا، شرط ألا نتورط بدين جديد.
سكننا في البداية في ظروف حزينة جدا ومؤلمة هي أقرب إلى ضائقة سكن الصفيح، لكن يا للمفارقة أنقذني المرض، وضعنا المالي تحسن بعد المرض بفضل تأمين العجز وبقائنا للعيش وحدنا بلا أولاد، إذ كبر الأولاد سنا، تعلموا وبدأوا العمل في ألمانيا وتشيلي وقل همهم، إن صح مثل هذا القول، فالأولاد زينة الحياة، يكونون همّا ً في أوضاع ضائقة وفقر.
كنت أعي وجع البطالة، فهي نتاج علاقات اجتماعية، رأسمالية، كالتي نعيشها.
من حينها وأنا أفكر بعمق وروية في هذا التناقض المخيف بين الإنسان والآلة، فالأتمتة – التكنولوجيا –nbsp; في ظل هذه العلاقات وما يصحبها من تـّغـّوُّل ٍ مناف ٍلأية قيم إنسانية جريا ً وراء الجشع والكسب المادي، هذه الأتمتة اليوم باتت أشبه بعدو الإنسان وكان يجب أن تكون وسيلة تريحه من بعض التعب الجسدي. وبات، في ظل وظروف هذا التغول، كلُّ شيء مباحا.
وفي بلادنا خاصة ًوبين ناسنا دمَّرت المؤسسة الحاكمة الزراعة أولا. كانت صادرت بشكل ممنهج ومشرعن معظم الأراضي ومنعت نمو أية مشاريع تخلق فرص عمل في القرى القليلة المتبقية بعد نكبة 1948 واحتكرت الصناعة والخدمات.
أتأمّلُ ظاهرة البطالة وما يرافقها في أحيان كثيرة وبلدان عدة كبلادنا من مُخصّصات بطالة وضمان دخل، أجدني أخلص إلى نتيجتين حاسمتين ومصيريتين (اجتماعيا)، النتيجة الفكرية الأولى أن هناك شريحة متنفذة في المجتمع معنية بحكم مصالحها الإقتصادية بإبقاء شرائح عمالية واسعة خارج سوق العمل للتحكم بهذ السوق (الأجرة والاستهلاك) ومنع هذه الشرائح عن طريق التخدير من تطوير وعي مدرك لحقيقة مجتمعها والعمل على تغيير العلاقات السائدة في ذلك المجتمع والبحث الجدّي عن واقع آخر.
وبات الوضع من الخطورة في بلدان كثيرة ومنها بلادنا أن البعض بات يولد ويكبر في مجتمعات تسودها البطالة ويحكم على هذا البعض بالبطالة كلَّ العمر. وخير وسيلة مـُجـَرَّبـَة ٍ لمنع انفجار هذا الوضع إجتماعيا هو اقتطاع أجزاء من الدخل المنتج ودفعه على شكل مخصصات بطالة أو ضمان دخل. في مثل هذه الحالة باتت شرائح واسعة، مثل الشرائح المتعلمة والمندمجة في السلك الوظائفي المختلف واخرى هي ضحايا البطالة، باتت هذه الشرائح الواسعة معنية بتكريس الوضع القائم وإعادة تشكيله من جيل لجيل.
وحين أتحدث في هذا السياق عن الرأسمالية الـْمـُتـَغـَوِّلـَة لا تغيبُ عن ذهني حقيقة علمتنيها الحياة وأكـَّدَتـْهـا التجربة أن الرأسمالية، كعلاقات إجتماعية، خاصة ً في بلدانها الرئيسية (كالدول الإسكندنافية، الدول الأنجلو سكسونية والدول اللاتينية الأوروبية – خاصة إيطاليا وفرنسا) كانت تتسم أحيانا بسمات إنسانية مهمة، يجدر بنا أن نتعلم منها وأن نطورها لتتلاءم وشروط حياتنا لكن هذه الرأسمالية ، للحقيقة ايضاً، ولدت، نشأت، وفي رحمها أساس أزمتها المتفاقمة، كالسعي المحموم وبكل وسيلة وثمن لتحقيق الكسب مدفوعة بالجشع المادي، النزعة الواضحة للعنف والحروب المفتعلة لتحقيق ذاك الكسب، فالركض وراء الثروة المادية المتوهمة بات يبرر كل سلوك. وإذا كان المجتمع الرأسمالي وُلـِد َمنقسما إلى طبقات وشرائح متفاوتة الحظوظ، فإن هذا المجتمع قسّم العالم إلى دول ومجتمعات متفاوتة الحظوظ والإمكانيات والفرص.
صحيح أن تلك الدول المذكورة أعلاه عاشت ما اصطلحنا عليه مرحلة التنوير وانتشار الفكر العقلاني، لكن كل ذلك لم يحل دون اندلاع الحروب وتأصيل النزعات العرقية العنصرية واستئصال شعوب من خريطة عالمنا، كما حدث في العوالم الجديدة – الأمريكيتين، أستراليا ونيوزيلاندا مثلا ً - والغزوات الأستعمارية التي أدت إلى استعباد شعوب عديدة في عالمنا.
لنتأمـَّل واقع قريتنا، فهي صورة مصغرة عن هذا الواقع، الذي أجدني مرغما أن أشير إليه. لكنها صورة مشوهة وطفيلية.
ولا أستطيع في هذه العجالة إلاّ الإعتراف بحقيقة ثانية، وهي أن الاشتراكية، بالشكل الذي مورست فيه، لم تستطع تقديم البديل لهذا المجتمع المتغول الذي نعيش فيه وأشعر أنني أحد ضحاياه ويشكل سبب الأوجاع التي نعاني منها.
nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp; ***

أذكرُ، حين اشترينا قطعة الأرض الجديدة وبدأنا مرحلة البناء، حَرِصْتُ أن تـُسـَجـَّلَ الأرضُ على اسم زوجتي وابني الأصغر(بلال) وتسجيل رخصة البناء الجديد على اسم زوجتي كذلك. للحقيقة من يومها بدأت أشعر براحة نفسية، إذ ضمنت مستقبل زوجتي السكني، فلا تكون ضحية تقلبات الزمن وانعدام سقف تنام تحته مطمئنة النفس مع تقدم العمر.

 
 16/07/2010

أضف تعليقا

  أرسل إلى صديق

عن الحقيقة | للإعلان | اتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة للحقيقة