هنالك الكثير من النماذج البشرية الطريفة التي تستحوذ على الانتباه وإذا تقصّيتَ معالمها وتابعتَ سلوكياتها وحللت عناصرها تجدها فريدة ومميّزة وتستدعي البحث والتحليل. من الصعب أن نصف هذه النماذج في كلمة واحدة ومن الصعب أيضاً إيجاد تفسير وافٍ لها في القواميس اللغوية المعهودة ...
لا يتعلم من اخطائه
يقول الحديث الشريف: لا يُلدغ المؤمن من جُحر مرتين، أما هو فيُلدغ عشرات المرات دون أن يتعلّم العبر، ويرجع على نفس السلوك وذات النهج الذي أدّى إلى تورّطه أو إصابته أو خسارته.
يعاود صاحبنا ارتكاب نفس الخطأ مرة تلو الأخرى، وكأنّ قوى خفية هبطت إلى الأرض ومحت ذاكرته وأنسته ماضيه، ويتورّط من جديد في مشاكل عويصة ومواقف مربكة لا حصر لها. هذا لا يتعارض مع كون صاحبنا موهوبا أو ذا قدرات ذهنية فائقة أو مهارات غير عادية، لكن كل ذلك لا يُسعفه في عدم التورّط بنفس المشاكل مرة تلو الأخرى.
يوعزون له بعدم أخذ شيكات من أشخاص مشبوهين دون أن يفحص هويتهم ووضع حسابهم في البنك، إلاّ انه لا يعبأ بأقوالهم مرة تلو الأخرى. يحذّرونه من عدم تسليم البضاعة قبل التأكّد من قدرة الزبون على الدفع لكنه يتجاهل ذلك كل مرة من جديد. يقولون له لا تدفع بشيكات مؤجّلة بدون التأكّد من وجود رصيد أو دخل مستقبلي موثوق به لكنه يكرر فعلته مرة تلو المرة مما يؤدي إلى إرجاع شيكاته وتورّط حسابه في البنك.
قد يعود صاحبنا على نفس الخطأ في مجالات الحياة العديدة فهو لا يدفع مخالفاته بالوقت، مما يؤدي إلى تورّطه في المحاكم والاضطرار لدفع غرامات طائلة، ولا يقدّم طلب الإعفاء من الأرنونا في الوقت فيضطر إلى أن يدفع كل المبلغ بعد أن تقطع البلدية المياه عن بيته، ولا يُرجع البضاعة الكاسدة التي ابتاعها في الوقت المحدد فيرفض التاجر إرجاعها ويخسر أمواله.
كم كنت أتمنى لو أُطلع قرائي الكرام على سبب هذا التصرّف الخائب والمستهجن إلا أن كل محاولاتي لإيجاد تفسير مقنع لهذه الظاهرة قد باءت بالفشل- هل هناك عطب ألكترومغناطيسي في مخّه، أو أنه غاوي تدمير ذات أو أنه ذو شخصيه مهزوزة بعض الشيء. سأترك ذلك إلى المختصين في هذا المجال
المدمن على الأسئلة
تجده في حيرة من أمره على مدار السنة وعبر كل الفصول وطوال ساعات اليوم، ولا يهدأ له بال ولا يستكين له خاطر إلاّ إذا كانت المحصلة اليومية لسؤالاته تعدّت المئات بل الآلاف أحيانا. والطريف بالأمر انه لا يسألك لكي يوسّع دائرة معلوماته أو لأنه مهتمّ بسماع أخبارك أو حتى ليس من باب الفضول، فهو يسأل لأنه مُغرم بطرح الأسئلة فحسب، ومن فرط حبه لهذه العادة المستهجنة فهو يستهدف أولا أقرباءه ومن ثم أصدقاءه وجيرانه ولا يتوانى عن التوجّه بالسؤال إلى عابر السبيل، فقد يسأل البائع إذا كان بحوزته بضاعة معينة، دون يكون لديه نية أو رغبة في اقتنائها، وقد يسألك عن كيفية الوصول إلى بلد معين دون أن يكون ينوي السفر إليه، ناهيك عن الأسئلة العامة في الدين والسياسة والمجتمع والتاريخ والاقتصاد.
إذا أردت أن تُميّز المدمن على الأسئلة عن مجرّد محبّ الاستطلاع أو الفضولي، فانتبه إلى ميّزة خاصة فيه فهو لا يُعير إجابتك اهتماما ولا يحاول أن يناقشها، وقد يقاطعك في منتصف الإجابة على سؤال معيّن ويطرح عليك سؤالا آخر، أو إنه يرجع على نفس السؤال عدة مرات. إذا سألته عن سبب قيامه بسؤالك فيبتسم ابتسامة عريضة ممزوجة ببعض الارتباك والبلاهة وينظر إليك نظرة لا تخلو من الخبث متهما إياك بعدم القدرة على الإجابة.
إذا ضقت ذرعا بمُدمن الأسئلة وتجنّبت مجلسه، فهذا لا يثنيه عن طرح الأسئلة والاستفسارات، وإنما يقوم بالانتقال إلى استجواب آخرين ممن لم يكتشفوا بعد الخدوشات المتواجدة في دماغه.
لا تفسيرات منطقية لتصرّف مدمن الأسئلة ولعلّ أقربها إلى الواقع هو كونه يريد التودّد إلى الآخرين أو رغبته في إثبات وجوده، أو لكون عملية طرح الأسئلة أسهل بكثير من الإجابة عليها أو لأنه يريد أن يُستّر على أمور شخصيه تخصّه، فبعد أن تودّعه وتحاول أن تسترجع مجريات الحديث الذي دار بينكما تجد انه سألك لا يقل عن ألف سؤال وعرف عنك الكثير ولكنّك لم تعرف عنه شيئا واحدًا.
المولع بالتفاؤل
المقصود بـالمولع بالتفاؤل هو الشخص الذي يُغالي في تفاؤله دون أن يكون هنالك أي مكان وأي سبب للتفاؤل، وإن سقط من الطابق المائة وصادفه أحد جيرانه في طريقه إلى القاع وسأله كيف الوضع أبو فلان؟ فيجيب: والله، لغاية الآن كله تمام.
التفاؤل عنده هو سُنّة حياة ونمط تفكير حتى لو أدى ذلك لوصوله إلى الحضيض. إن سببتَ له إساءة فيُسامحك قبل أن تعتذر منه، وإن اعتذرت فيسارع لتبرئة ساحتك من أية تهمه بل ويأخذ المسؤولية برُمّتها على نفسه ويشرع بتهدئة خاطرك لكي تصفح عنه.
المولع بالتفاؤل دائما يأمل الخير ويثق بالآخرين مهما سببوا له أضرارا وخسارات، ومهما اظهروا له شرّا أو عدوانية، فقد وضع على عينيه نظارة وردية يرى الدنيا مصبوغة من خلالها باللون الوردي.
يقوم المولع بالتفاؤل أحيانا بخوض مشاريع دون أن تسبقها دراسة جدية، كإقامة مصلحة اقتصادية دون فحص إمكانية إقبال الزبائن عليها أو خطوات خائبة أخرى كأن يلتحق بموضوع تعليمي فوق قدراته بعشرة أضعاف، أو أن يبني بيتا لا يستطيع إتمامه لو عاش مائة عام، فهو يعتمد بشكل مُطلق وجارف على تفاؤله بالنسبة لفرص نجاحه وهذا أمر في شدة الخطورة.
التفاؤل مطلوب وهو نمط حياة نُحمد عليه، ويجب أن يتحلى به كل واحد منا، لكن التفاؤل الخاص بصاحبنا هو من نوع آخر تماماً وهو يحمل الكثير من السذاجة والبلاهة وانعدام المسؤولية والتملّص من المواجهة وعدم رؤية الأمور بشكل سليم.
التفاؤل الزائد عن حدهّ قد يأتي بالمصائب والكوارث على صاحبه ويجعل حياته وحياة المحيطين به لا تُطاق
|
|
| 16/07/2010
|