يبدو اْنّ المُربّي الجشّاوي /الحيفاوي /كريم شحادة اسحق ، لم ينسَ وطنه ،مسقط راْسه اْبداً،رغم مرور خمسة عقود على اغترابه في الولايات المُتّحدة ،وان رحل عن الوطن لظروف قاهرة ، فقد بقي الوطن عائشاً بداخله ،رغم البعد والنّوى،وقد ظلّت لغته العربيّة تشدّه الى وطنه برباط وثيق استحال قطعه اْو بتره،الفراق ، البعد ،الهجر والحنين ما برحوه للحظة ،ولذا تفتّحت مواهبه الشّعريّة عبر البحار والمحيطات ،فاذا به ينظم الشِّعر التقليدي والحرّ معاً ،وقبل اْن نتجوّل بين ازاهيره ووروده واْفنانه وفنونه واْلوانه ،حريّ بنا ان نتوقّف في بعض مفترقاته ومحطّاته .
وُلِد الاستاذ كريم جريس شحادة اسحق في مدينة حيفا عام 1931 .
عمل في سلك التربية والتّعليم طيلة اثنتي عشرة سنة في مدارس :حرفيش ،عسفيا وحيفا .
كانت له هنا نشاطات عديدة في المسرح والاذاعة .
غادر الوطن الى امريكا عام 1963 ليواصل تحصيله الجامعي في المسرح والسّينما والفنون الجميلة / درجة ماجستير.
كتب ومثّل العديد من الاْعمال المسرحيّة هناك .
عمل محاضراً للّغة العربيّة ،وما زال قادرا على العطاء والسّخاء.
قبل اْن يُكَنّي مولوده/ بكره/ الشعري ، طاف في حقولنا الادبيّة ومعاركنا السّياسيّة ، فتوقّف عند معنى كلمة حنين لغويّاً، مرّعلى غزوة حنين سنة 8 ه ،630 م ،ثم تمتْرَس في خندق اسحق بن حنين 830 -910 م الذي عرّب كتب الحكمة اليونانيّة ،حلّق في سماء واجواء بلدة :وادي حنين الفلسطينيّة ،أقيمت على انقاضها بلدتا : نس تصيونا و كفار اْهرون ،ما زالت بعض معالمها العربيّة شاهدة على صمودها ،حُوّل مسجدها الى كنيس:جئولات يسرائيل ،بيت وجيهها سليمان الفاروقي حُوّل الى مستشفى للاْمراض العقليّة .كما توقّف كريم اسماً وفعلاً ، في محطّات محمود درويش الحافلة ، لم يعد بخفي حنين ،واذا به يقراْ مع الدّرويش:
ماذا يُثير النّاس لو سرنا على ضوء النّهار/وحملتُ عنكِ حقيبة اليد والمظلّة/واْخذتُ ثغركِ عند زاوية الجدار/وقطفتُ قبلة/
اْحلم ان ارى عينيكِ يوماً تنعسان / وارى هدوء البحر عند شروق الشمس/مِن بئر ماْساتي انادي مقلتيكِ/ كي تحملا خمر الضّياء الى عروقي / ماذا يثير النّاس لو اْلقيتُ راْسي في يديكِ/وطويتُ خصرك في الطريق/
لم ينسَ كريم التّعريج على اْبي تمّام صاحب :
نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحُبّ الاّ للحبيب الاْوّل
كم منزل في الاْرض ياْلفه الفتى وحنينه اْبداً لاْوّل منزل
لاْجل كل هذه الاسباب مجتمعة معاً ، اختار استاذنا الكريم اسم/ حنين / لديوانه الحديث جدّاً ، والذي حرّره لغويّاً المدقّق اْسعد موسى عودة ،كتب المقدمة المحامي سليم اسحق /شقيق المؤلّف ،ليُعرّف بالشّاعر وديوانه ، ضمّ الدّيوان ثلاثاً وخمسين قصيدة ،جاءت في مئة وست عشرة صفحة ،من القطع المتوسّط ،عَبَقُ الوطن ، اْريجه ،نفحه ،شذاه وطيبه يفوح من كل كلمة،من جملة هذه القصائد الوطنيّة نشير الى : المُهاجر ،يا لائمي ، بلّغوها التّحيّة ،اْنا عربي ،كان لي صُحبة ،بعد عشرين عاماً ،اْرضي ،من الماضي ،اْخي اْحمد ، تاريخ ومآس ،خيال بلادي ،قَوْمي وغيرها .
يستهلّ الشاعر ديوانه بقصيدة المهاجر،فيقول :
عَبَرَ البحر بشوق بعدما كان للبحر سنيناً يقصده
تاركاً اْهلاً وربْعاً علّهُ ما وراء البحر سهلاً يجدهُ
فاذا البحر هيّاج مُزبد واسع بحدوده ما اْعْرَضَهُ
وبحور الشّعر لم تاْبَه اذا في لياليه جفاه مرقدًهُ
لا يُسلّيه بغربته سوى صوت موّال فَباتَ يُردّده
كريم حافظ على وشائج القربى الروحيّة ، البيولوجيّة ، الاْسريّة ، الاجتماعيّة ، الوطنيّة والاْخلاقيّة ،فلم ينس الاْسرة الصّغيرة : الاْجداد، الوالدين ،الاخوة/ات :سليم ، اْكرم ،حليم ،الياس ومريم ،ولن ينسىابناء وبنات الاشقّاء : روبير ، ردينة ،ريم ، رامي ،روزانا، لمياء ، سمير ، نجلاء ، وسام، خصّ كلاّ ًمنهم بقصيدة اْو ببعض الاْبيات في مناسباتهم الاْهلية ، شعر وجداني ،عاطفي ، ينساب مع ينابيع وانهار الوطن،رقراقا ، عذباًوسهلاً . الشّقيق سليم ،اْخذ على عاتقه اْن يهدي هذا الدّيوان الى كافّة الاْصدقاء والاّهل والمعارف والتّلاميذ، مستعينا بخاله /اْبي ريمون زكي جبران الجشّاوي وعلاقاته الاجتماعيّة المتشعّبة في كافّة قرانا ومدننا هنا .
في قصيدته : في الوادي يحدّثنا عن قريته /الجشّ/واحدة من قرانا الرّازحة فيقول :
في قريتي وادي/في بلدتي في الجش/حيث تراث اْجدادي/في قلبها وادي /ذكريات لي فيه/وانا من عمر اولادي/
وطنيّات كريم لا تَقِل ّعاطفة عن اجتماعيّاته، فيحدّثنا عن العدوان البربري على العراق قائلاً :
من هنا اْناجيك / من سجني من معقلي /...السّيف في يد الجبان/ اْخطر من زلزال/ وضربة الجبان/اْشَدّ من اعصار / تسونامي/يجتاح البنادر والفيافي/على حدّ سواء/يهدّد بالفناء /....وما من منقذ للكون / من مُهَوّسي التاريخ/سوى ايماننا باْنّ لنا /في الآخرة رجاء .
في قصيدة اْنا عربي ،كاْنّي به يحذو حذو محمود درويش /سجّل انا عربي ،فيقول كريم :
اْنا عربي في جدّي ولَعِبي/انا عربي في حزني وطربي /انا عربي/
من نعيمة الى جبران /بالبعد والهجران/لم يهجروا الماضي/فطاحل الاْدب/مثلهم انا عربي/
يعود كريم الى اجوائنا القرويّة فينشد الحنين والاْنين ومُرّ ومَرّ السنين:
والآويها وزغاريد اْم كمال/تلعلع في سما الدّيوان/وفي حلقات الدّبكة/في كروم العنب والتين والرّمان /واْبو معروف واْرغوله/دلعونا ويا غْزَيّل وْعالِعْمَيّم/ واْبو عرب /
في قصيدة اْمّي ،لعلّه يحاكي الدّرويش دائماً في قصيدة اْحنّ الى خبز امّي ، فيقول كريم بصدق :
لو قيل لي ساْعيش عيشاً اْبديّاً/واْطير مثل النّسر في كبد الثّريّا/وكنوز الاْرض هي ملك يديّا/وكلّ ما اْرجوه قد يُعطى اليّا/لَقُلْتُ يا ربّي ليس هذا بالمُهم/ّلو تكرّمتَ بارك روح اْمّي /
في قصيدة شجرة التّين في احدى قرانا المهجّرة عنوة،حيث زار الشاعر وطنه عام 2000،فهاله الدّمار والخراب ونعيق البوم والغراب ، وبقيت تينة وحيدة مثمرة تتحدّى :
يا تينتي اْنتِ الشعار لغربتي هل لي اعود لعيشة اْهواها
واْكلتُ من تين الشّجرة حبّة لاْعيد ذكرى اْمس ما اْحلاها
يطيب لنا التّجوال والتّرحال في روابي وجبال وسهول الوطن مع الشاعر المغترب ، سسكب مداده وبنات اْفكاره ومشاعره الّرقيقة ،فتتفجّرت ينابيع محبّة، وتتدفّق الاْحاسيس الصّادقة ،رغم لوعة الفراق وتذكار الاْطلال في مرابعنا ،يحدّثنا عن طيور بلادنا :الحسّون ،البلبل ،الورور،الهزار ،اليمام ، الحجل ،الشّحرور ، الهدهد وغيره ص 71 فيقول :
بالجشّ لو صبحاً قصدْتُ الوادي لسمعتُ شحروراً على النّبع ينادي
في قصيدة اْرضي يقول باْلم وحسرة وقناعة رغم المجاعة :
ليس في اْرضي زيوت/وليس في ارضي ذهب /ولكن بها زعتر وسمّاق/ومنقوشة طابون /ورصيص زيتون /وحليب ماعزة /وخوار ثور/وَمَاْمَاْة جدي/ وماء عين زلال/من اْفواه القُرَب /....اْثمن من كلّ زيوت الاْرض/ بل واْغلى من قناطير الذّهب/
نختتم جولتنا القصيرة هذه في خاتمة الدّيوان /قَوْمي:
في غابر الاْيام كنّا قدوة وطليعة مَن تقدّم/الكيمياء والجبر اْوْجَدْنا والطّبَ جعلناه مُتَرْجَم/خَطّطنا الاْفلاك والمحيط بشكل مُنَظَم/ شّغلنا بحرب بين مَن تنصّر ومن اْسلم/فصرنا لعبة في يد الغير والغير بنا اْظلم /
من قممنا وروابينا وسهولنا وودياننا ،من الجرمق ،العقبة ،عين العلويّة ،المخسوفة ،نبع البلاط ، وادي النّامورة ،من كنائس الجش وجامعها، من قبور اليهود التي يصونها الجشّاويّة باْدب واحترام، والسّلطة تُدنّس المساجد والكنائس .
من قرى :الصّفصاف ،ميرون ، السّموعي ،علما ، دلاّتا،الراس الاْحمر ،كفر برعم ،سعسع ،غباطي ،سبلان ٍ، دير القاسي ، المنصورة اقرث وخالاتها وعمّاتها وشقيقاتها و .....اْكثر من خمسمائة قرية بين نازحة ورازحة ، نبعث لاْستاذنا الكريم باْطيب التّحيات والمشاعر الصّادقة ،على اْمل اْن يعود للوطن ، لكنف العائلة والاْهل والخلاّن .
|
|
| 16/07/2012
|