الحقيقة الأسبوعية



اسمع راديو


 

ذاكرة وطن

الرئيسية

 

 أبو حافظ إبراهيم قشقوش من نحف ... من سجون لبنان إلى سجون إسرائيل ولم يرفع الراية البيضاء

أجرى اللقاء رفيق بكري
نكبة شعبنا الفلسطيني عام 1948 لم تقتصر على مئات القرى المهجّرة التي هدمت وشرد أهلها في الشتات، فالنكبة ألمّت بشعبنا في كل أماكن تواجده وإذا زرنا أي قرية ومدينة في الداخل نلتقي بعائلة منكوبة. في قرية جديدة مثلاً ممكن أن نلتقي بمحمد الميعاري (نسبة إلى ميعار) وفي البعنة أحمد الشعباوي (نسبة إلى شعب) وفي سخنين سليم الداموني (نسبة إلى الدامون) وفي كفر كنا ابراهيم الشجراوي (نسبة إلى الشجرة). وفي كل بيت فلسطيني قصة معاناة وظلم يمكن أن تجد قصة معاناة طويلة.
في كفر ياسيف التي تحتضن العديد من العائلات المهجرة زرتُ ابراهيم مصطفى قشقوش (أبو حافظ) 79 عامًا وله كغيره قصة معاناة وصمود وتحد بدأت في مسقط رأسه نحف منذ طفولته قبل النكبة واستمرت حتى سنوات الستينيات والسبعينياتمن القرن الماضي.
كنا ننزل على المدرسِة حُفاة ولِحلاقَة عالصِفِرْ
بعد السلام والكلام طلبت من أبي حافظ أن يحدّثني عن طفولتُه فأجاب بلغة عربية نظيفة تدل على ثقافته العالية وقال: ولدت سنة 1931 في قرية نحف وفي ذلك التاريخ لم يكن من المتبع تسجيل ولادة المولود منظّم في الدوائر الرسمية كما هو عليه اليوم. كانت الدايِة اللي بتولد المرأة الحامل تروح عند مختار البلد حمد أحمد عبد الغني المعروف بحمد أبو عوض وتقُلُّه: زوجة فُلانْ خَلَّفَتْ ولد وسمّوه كذا وكذا، فالمختار كان ينزل على وزارة الداخلية مَرَّة كل شهرين أو ثلاثِة ويسجِّل الأسماء، فمرات يسجِّل ومرات ينسى. ولما كْبِرتْ رُحت أكثر من مرّة على وزارة الداخلية عشان أعمل هويِّة، ما لقيتْ إلي تسجيل. تعلمت في نحف من الصف الأول للصف الخامس. كانت المدرسة خمس صفوف مع ثلاث معلمين، حياة الاستاذ شفيق عبيد وبعدُه أجا الاستاذ عبد الرازق من عكا والاستاذ رفعت من صفد ومعلِّم من بلدنا إسمُه محمد صالح قاسم. كنا ننزل على المدرسِة حُفاة وكان على الطلاب جميعً يحلقوا شعرهِن على الصِفِر. الصبح كان المعلم يعمل تفتيش على الأظافر والشعر واللي أظافرُه أو شعرُه طوال يِرَوْحُه عالبيت، كنظام في المدرسة وخوفًا من انتشار القمل بسبب قلّة المياه.

تعلّمت في الرامة للسابع وفي عكا حتى سقطت بإيدين اليهود
وتابع أبو حافظ وواصل كلامه بمرارة: وأنا في الصف الثاني توفّى حياة أبويْ وكنت أصغر واحد بإخوتي، كان إلي إخوِة اثنين كبار متزوجين. كنت طالب نشيط وشاطر. في الرامة كان التعليم للصف السادس والسابع، كان عمري في ذلك الوقت 12 سنة. راحوا إخوتي سجّلوني في مدرسة الرامة. مدير المدرسة كان إسمُه نديم خوري الله يِرحمُه، إنسان عظيم وخدومْ. كنت أمشي من نحف للرامة على الرجلين، وبعدين استأجرت أنا وطلاب اثنين من نحف خلقِة غُرفِة سَكَنّا فيها من الأحد للخميس، ننظفف ونعمل أكل ونخدم أنفسنا بحالنا. ويوم الخميس نروِّح ونرجع نتعلم السبت. وفي سنة 1945 أنهيت الصف السابع في الرامة.
قلت: وبعدين كمّلت تعليمك؟... أبو حافظ: في نهاية السنة الدراسية أجا مدير المدرسة حياة الاستاذ نديم قَلنا: إللي بحب يكمِّل تعليمُه لازم يقول من الآن عشان يتسجّل بكير. خِلصَتْ السنة وبمماطلة إخوتي ما تْسَجَّلتْ. قررت أتعلم في المدرسة الثانوية في عكا. وأنا كنت صغير وِبحياتي ما زرت عكا ولا بعرف كيفْ أَصَلْها. مشيت أنا وحياة إمّي وِانْزِلنا على عكا ودخَلت المدرسِة واتعلمت حتى أواسط نيسان عام 1948. لما بَلَّشتْ تلوحْ علامات الحرب والاحتلال وسقطت عكا بإيدين اليهود، عِندها أُقْفِلَت أبواب المدرسِة وِارجِعت على نحف.

الصُبِح فنجان شايْ مع نِتْفِة لَبَنِة والظُهُر نِقْليلْنا بيضة
هذا الحال بِقي حتى عام 1951. في نفس السِنِة قَرَّرت أرجَع أكَمِّلْ تعليمي الثانوي في مدرسِة كفر ياسيف. وبسبب انقطاعي عن الدِراسِة ثلاث سنين تَسَجّلت للتعليم من الصف التاسع. كان مفروض على اللي بسافر لعكا يوخُذ تصريح وعشانْ تصل كفر ياسيف كان لازِم تصل لعكا ومن هناك تْكَمِّلْ. في أول يوم رْكِبنا بباص إيجد السيعَة خمسِة الصبح مع فْراشْنا وزادنا وانْزِلنا على مفرق (ألعِياظِيِّة). استَأجرتْ أنا وثلاث اولاد من نحف غُرْفِة صغيرِة وعِشْنا فيها حياة صعْبِة كثير... بَذكُرْ كُنّا نِنزل بِالليل على العينْ ننْشَلْ شويِّة مَيّْ، نْغَسِّل ونِشرب منها. بالنِسْبِة للأكِلْ كُنّا نْجيب خُبْزاتنا (خُبز صاج) من البيت ونوكُل مِنُّه طول الإسبوع لأنُّ بهذاك الوقت ما كان في فْرانِة بكفر ياسيف، الصُبِح فنجان شايْ مع نِتْفِة لَبَنِة وبعد المدرسِة نِقْليلْنا بيضة وهكذا... وبآخر الأسبوع هَالخُبِز يِخَظْرِنْ ويِخرَبْ.
رفضوني في سلك التعليم لأنُّ أخويْ سعيد كان شيوعي
قلت: وأنهيت الثانويِّة في كفر ياسيف وبَعِدها؟... أبو حافظ: نعم في سنة 1955 خَلَّصْت الثانويِّة وكنت من لِولاد الشاطْرين. وبَعِدها اللي ينجح كان يِتْوجّه لوزارِة المعارف عشان يشتغِل بِسِلك التعليم. رُحت قَدّمت طلب مثل ولاد صفي في مكتب الوزارة عند حياة رائِفْ الزُعبي، لكن ما حصلت على الموافقة وبنفس الوقت اللي كُنت أشطر مِنهِْن، تمّْ تَعيينْهِن، لأنُه أخويْ سعيد اللي أكبر منّي كان شيوعي نَشيط والشيوعيين في ذلك الوقت كان مغضوبْ عليهِن. وبعد جهد جهيد عََيَّنوني مُعلِّمّْ لسد فراغ المعلمين المُتَغيِّبين في البعنة ودير الأسد، بالشهر بالشهرين أشتغِل بَسّْ يوم أو يومين. ثاني سِنِة وثالث سنِة وظلّيتْ على هالحالِة فترة طويلِة.
وَقِّف عَندَك وَقِّف عَندَكْ...وانحبست في لبنان
 ومرَّة طِلعَت دِعايِة إنُّه في شباب بِطلَعوا عالأردن ولبنان ومن هناك بِروحوا يِشْتِغلوا بالإمارات، سيعِتها طَقَّتْ بِراسي وِبتاريخ 15 أيار 1957 في يوم ذكرى النكبِة اطلِعت على لبنان. طْلِعت من نحف في الليل باتجاه الجش وكَمَّلت بالعتمِة في الأراضي اللبنانيِة، لحدّْ ما بْديتْ أسمَع نُباح لِكلاب، أيقَنت إني قريب من قريِة مارون، رُحت أدوِّر على بيت ضاوي أقْضي في ليلْتي للصبح، فعلاً شفت بيت بْطابْقين مضوي، ولما وْصِلتْ البُوابِة صارت لِكلاب تِنبح قام طَلْ واحد من الشباك وصاح: مين هناك؟.. قُلتِلُه: أنا فلسطيني .. ما حَسّيت إلا اثنين حامْلينْ بواريد وجايين ناحيتي وبصرخوا: وَقِّف عَندَك وَقِّف عَندَكْ... قُلتِلهن: ولو وعلى إيش ساحْبين السلاح؟.... وبعدين عْرفت إنُّه هذا البيت مركِز للشرطة في لبنان.. قاموا حَبسوني ليلِتها وحَقّقوا معي وثاني يوم اخذوني على سجن في بنت جبيل. في ساعات المغرِب جابوا دَفعِة مساجين كان بيناتْهِنْ شباب اثنين، سعيد أحمد سعيد من نحف وأحمد صِدّيق من شفاعمر بِقولولي إنهن انْحَكَموا بالسجن لمدِّة ثلاثة أشهر لنفس السبب. ثاني يوم أخذوني على بيروت، وهون الإشي المُضحِكْ لأنُه السجين المَنقول بِرافْقُه شرطي والمسجون مجبور يدفع أجرة الباص عن الاثنين. أنا كان معي أربع ليرات ذهب، رُحت صرفت ليرة ودفعت أجرة الباص وأخذني للمحكمة العسكرية في بيروت وأنا موجود وصلت مجموعة من المساجين، تعرّفت على واحد منهِنْ بِعرِف إبن عمّي في طرابلس، قمت قَصّيت ورقة صغيرة من صندوق الدخان وطلبت مِنُّ يوصلها لابن عمي. ثالث يوم أخذوني على ثكنِة عسكرية إسمها ثكنة (الزْغيبْ) وقعدت هناك 15 يوم في غرفة فيها فَرشِة قش وبَطّانِيِّة. خلال مكوثي هناك أجا إبن عمي زارني مع حياة خالد الدريس من البعنة ووعدوني يساعدوني. وبعدين نقلوني على محكمة عسكرية. بعِد ما حكيت للحاكم سبب المجيء للبنان قال:إحنا اللي هون عايْفينْهِن وبدنا نرَجِّعهن، فرض عَليّ الحاكم شهرين سجن وخمس ليرات لبنانية، أو سجن يوم عن كل خمس ليرات لم تدفع. من هناك نقلوني على سجن الرمل في بيروت الله لا يورجيك ايّاه مقسم لبنايات مثل أصابع اليد وفي كل واحدة منها ليوان كبير مقسّم على الجنبين لغرف وكل غرفة طولها 15 متر وعرضها سبعة أمتار فيها بين أربعين لخمسين سجين. بدون حرامات ولا فراش. هناك في شاب سجين من بلدنا إسمُه عبد الله حمادِة عباس، عِرِفْ بوجودي والا هو جايِبلي طُرّاحَة وخلقة بطانية. طلِعت بعد رمضان بيومين من السجن خلّصت المحكومية وفي الصبح أخذوني على ثكنة عسكرية إسمها ثكنة الأمير بشير وبقيت هناك عشرين يوم وقضيت العيد بالسجن. اولاد عمي حاولوا يساعدوني وما نجحوا. بعد هاي المُدِّة أجو جنود اثنين حَطّوني بسيارة وِمشينا.. قلتلهن: في إلي غراض وأربع ليرات ذهب وشهاداتي في المحكمة العسكرية.. قالولي:صرنا ماشيين وما منقدر نرجع... وصلنا على مركز البوليس في قرية إسمها (كَفّْ العدس).
من السجن في لبنان إلى السجن في إسرائيل
وتابع أبو حافظ: في كفّ العدس حَمّلوني بسيارة للصليب الأحمر وسلّموني للسلطات الاسرائيلية في المطلِّة. طيب وفي إسرائيل شو صار معك؟... أبو حافظ: احتجزوني ليلة في المطلِّة والصبح على سجن كريات شمونة وثاني يوم أخذوني بسيارة بوليس لعكا. في الطريق وقّفنا في مركز بوليس مجد الكروم وبالصدفة التقيت مع واحد من ولاد بلدنا وطلبت يحكي لإخوتي اللي صار معي. أخذوني لسجن عكا وحطّوني بزنزانة إنفرادية لأربع أيام. بذكر أجو إخوتي زاروني في السجن مع حياة مختار البعنِة إحمد نمر بدران عشان يِتْواسطها وأطلع من السجن لأنه كان له علاقات منيحة مع السلطات. من هناك نقلوني لسجن الجلمِة ومنها لسجن الرملة وصارتلي مُحاكمِة عسكرية في الناصرة. وحكموا علَيّْ تِسِعْ أشهر سجن فعلي ومن هناك نقلوني لسجن تَلمونْ وآخر الفترة قضيتها في سجن الدامون لحتى عام 1958.
الحاكم العسكري بدُّه ايّاك عند أبو كمال
قلت: وشو اشتغلت بعدين؟... أبو حافظ: بتعرف بعد كل هاي الأحداث صرت من المغضوب عليهن ورحت أدوِّر على شغل.. واشتغلت بالحراسة في الإصلاحية في عكا. بالصدفة نْزلت على عكا أنا وإحمد عبد الغني من بلدنا، التقيت في عكا مع واحد من اولاد صفي إسمُه محمود زبيدات من سخنين.. بقُللي إنُّه تعلّم تمريض في بات يام وبشتغل في مستشفى المزرعة غرب عكا وإسا بدها تفتح دورة جديدِة إذا بتحبوا تنضموا إلها قَدّْموا طلب بسرعة. فعلا قدّمنا الطلب بس أجت موافقة لأحمد وأنا ما انقَبَلت للدورة. ولما رِجع أحمد زيارة للبلد قللي إنه لِمعلمة بتقبل تْدخلك للدورة بس مش مسؤولِة إذا أجاك رفض. طيب كيف بدي أروح على بات يام بدون تصريح، قررت أسافر واتعلم بدون تصريح واروِّح مرّة في الشهر. بعد عشر أشهر وعلى عيد الأضحى اجيت زيارة عالبلد، أجا واحد من ولاد البلد بقللي: الحاكم العسكري بدُّه ايّاك عند أبو كمال... صرت أسأل نفسي: شو بيتو هالحكي وشو بدُّه مني الحاكم العسكريي!!.. لكن ما استجبت للدعوة. ثاني يوم أجا علي محمد قيس بقللي: ليش ما اجيت عند أبو كمال امبارح الحاكم العسكري سأل عنَّك وبقول للحاضرين كيف ابراهيم قشفوش بروح على بات يام بدون تصريح!.
من نحف لعكا واستقريت في كفرياسيف
قلت: وبعدين؟... أبو حافظ: الشهر اللي بعدُه رحت عند الحاكم العسكري أطلب تصريح لاقيت هناك نمر الأمين.. أعطاني التصريح وأكملت الدورة سنة 1959 واشتغلت في مستشفى عكا للأمراض النفسية وانتقلت اشتغل في مستشفى المزرعة. في سنة 1960 تزوجت مع مريم زميلتي في العمل وسكنا في غرفة في عكا وفي سنة 1970 صار عنا ولاد بدهن يتعلموا والمدارس بعيدة عن الدار. وبما إنه عنا ادوات كهربائية في البيت قررنا ننقل على كفر ياسيف عشان كان فيها مي وكهرباء وذهاب لولاد عالمدارس ايسر. اشترينا أرض وعمّرنا في كفر ياسيف ولا زلنا حتى يومنا هذا.
مؤامرة اشترك فيها، الصهيونية والإمبريالية والرجعية العربية
قلت: وصارت أحداث الـ48؟.... أبو حافظ: يوم الأحداث رجعت من عكا لنحف، وكما هو معلوم عصر الانتداب البريطاني انتهى بتاريخ 15-5-1948 وأجانا جيش الإنقاذ العربي عشان ينقذنا وانكشفت المؤامرة على الشعب الفلسطيني، اشترك فيها، الصهيونية والإمبريالية والرجعية العربية. في ذلك الوقت أقفلت المدارس أبوابها وعدت من عكا لنحف. وخلال المناوشات كنت أنزل أساعد إخوتي في الحصيدِة والدْراسْ، وبذكر كنت أوقِّف على لوحْ الدْراس في الشمس طيلة اليوم. وصارت المدن والقرى العربية تسقط الواحدة تلو الأخرى بإيدين العصابات الصهيونية. الثوار من سكان الشاغور عِملوا حاجز على الشارع العام الآتي من عكا باتجاه صفد في موقع الليّات غرب مجد الكروم وصاروا يحُرسوا بسلاح عتيق وذخيرِة قليلة ومع ذلك صمدوا وصدّوا هجوم لليهود واستردّوا البروة من إيدين اليهود وسلّموها لجيش الانقاذ. وفي اليوم التالي انسحب جيش الانقاذ من البروة وسقطت كمان مرة.
طَخّو الشهيد يوسف خشان قدام الناس ومعاه الشهيدين صالح مصطفى عباس وطه يوسف مطر
قلت: إحكيلي شو اللي صار بنحف؟.... أبو حافظ: ظلينا على هاي الحالِة لـ29-9-1948. في هاي الفترة انسحب جيش الإنقاذ من الشاغور وصارت الناس تطلع من القرى باتجاه لبنان. كان عِنّا أجلَّكْ حْمار حطوا عليه إخوتي شويِة طحين وفرشتين ومشينا بْنُصّْ الليل للشمال. وْصِلنا لنُصّْ الجبل فوق البلد وطِلِعْ النهارْ علينا وقررنا نُقعُد هناك أحسن لحدا يشوفْنا وصُرنا نراقِبْ من العلُوّْ شو بصير في البلد. من فوق شُفنا طابور ناس ماشيين على الشارع الرئيسي عكا صفد، من الغرب باتجاه الشرق وقُدّامهِنْ ووراهِن سيارات جيش. بعدينْ عْرِفنا إنهِنْ أسرى من دير الأسد والبعنة. بعد شويْ أجت من جهة الرامِة فرقِة جيش وبسْ وصلوا على سهل نحف صاروا يِطُخّوا عالبلد. بعدين شُفنا أكمّْ ختيار وختيارة حاملين علم أبيض ورايْحين باتجاه الجيش وفجأة وَقَّفْ الطَخْ ولما تأكد الجيش إنُه فش مسلحين، سمحوا للمسنين البقاء في البلد. لما طِلِعْ الجيش من البلد أجت حياة إمي وقالت: إنزلوا عالبلد الحالِة هادئة. ثالث يوم أجت فرقة جيش وطوّقت البلد وطلبت من كل الناس تتجمع في ساحة بيت المختار وكل واحد معاه قطعة سلاح يجيبْها للمختار. وبذكُر الله يرحمُه الشهيد يوسف خشان حاول يهرب قاموا طَخّوه قدام الناس وبعدُه استشهد صالح مصطفى عباس وطه يوسف مطر وواحد من الدامون ما بذكُر إسمُه، وصاروا اليهود يصُرخوا بالناس ويقولوا: يلاااا إللي منلاقيه بالبلد بعد نُصْ سيعة بموت. وحسب الروايات حتى المُختار أشبعوه ضرب. الناس صارت تُركُض باتجاه الجبل وبين الزتون. إحنا كان إلنا كَرمْ زتون تحت الجبل، رُحنا وقعدنا فيه.

طِلِعْ المختار من بيتُه حافي وِمْفَرِّعْ بطاق القميص وراح على مغارة بالجبل إسمها مْغارِة (عوبَة) واعتزل المخترة
قلت: والمختار شو عمل؟... أبو حافظ: بقولوا إنُّه بعد ما ضربوه، طِلِعْ من بيتُه حافي وِمْفَرِّعْ وبطاق القميص وراح على مغارة بالجبل إسمها مْغارِة (عوبَة). يُقال إنُّه أهل ساجور طِلعوا لعند المختار وقالولُه: بيوتنا مفتوحَة إلك يابو جبر...لكن المختار كان عِندُه عِزِّة نفس قويِّة جدًا رفض ينزل وقال: شووووو أنا أروح أحتمي عِندكو بعد ما كانت الناس تِحْتمي عِندي؟... وهيك بعد ما كان عدد سكان نحف حوالي 1000 نسمة في الـ48، أكثر من نص البلد اللي حالتهِن الماديِّة منيحَة شردوا على لبنان والباقي رِجعوا عالبلد وبِقيوا فيها. ولو بقيت كل أهل البلد لكانت البلد اليوم ضعفين عددها، لأنُه اللي طِلعوا منها الشباب ولِولاد وبِقيوا بس لِختياريِّة.
قلت: حدى من قرايبك طلع وما رِجِعْ؟... أبو حافظ: نعم إبن عمي عايش اليوم في طرابلس وكمان أُختي حمدِة كانت متجوزة جديد لنُّه زوجها طلبها تِلْحَقُه رغم إنها كانت مْسَجّلِة ومعها هوية... قلت: والمختار وين راح؟... أبو حافظ: بعد اللي صار مَعُه اعتَزَلْ المَخْتَرة، لكن في واحد من ولادُه بِقي يقوم بالإجراءات الرسميِّة ورفض المختار من هذاك الوقت يقابل مسؤولين رسميين حتى تَوَفّاه الله. في ذلك الحين ولفَترة طويلِة كانوا الشباب اللي رُحِّلوا للبنان وسوريا يِفوتوا عالبلد مِتْسَلِّلينْ عشان يِشوفوا أهاليهِنْ، يِمْسِكهِن الجيش ويِكُبّْهِن على لِحدود.
حَطّوا الشُهدا بِمغارة بأوّل البلد وسدّوا بابها بشويِّة حجار
قلت: طيب شو صار بالشُهدا اللي انْطَخوا؟... أبو حافظ: ما لاقوا حدى يِقْبِرهِنْ، فأجا واحد بِقْرَبْ للشهيد صالح مصطفى عباس هو وأكم خْتيارة، حِمْلوهِن وحطّوهِن بِمغارة بأوّل البلد قرب المقبرة وسدّوا باب لِمغارة بشويِّة حجار. فيما بعد سدّوا باب لِمغارة بباطون وحطوا بلاطة وكتبوا عليها أسامي الشهداء وبعدها موجودة ليومنا هذا... وتابع أبو حافظ: شوي شوي رِجعت الحياة للبلد بس في ظل حكم عسكري جائر. وكان لا يمكن للانسان أن يتنقل من مكان إلى آخر إلا بْتصريح من الحكم العسكري.
 نحفي ّ فالجذور فلا يمكن نِسيانْها
وكيف علاقتك مع أهل كفرياسيف وكيف بتعرِّف نفسك نِحفاوي ولا كفرساوي؟... أبو حافظ: أولاً الاسم الثلاثي للبلد يُضاف إليها ياء مُشدَّدة ويُصرَّف مش مثل ما بتقول نحفاوي.. أنا من نحف يعني نَحْفي ومش نحفاوي، مثلا (سوق شعبي ومش سوق شعباوي) لأنه أكثر من ثلاث أحرف. ثانيا اللي بسألني بقُلُّ أنا من نحف وساكن في كفرياسيف وأهل هاي البلد طياب وعلاقتي فيهم ممتازة. أما الجذور فلا يمكن نِسيانْها.
لولا الصمود والإصرار على البقاء لما بقي عربي واحد في فلسطين
قلت: إذا بدك توجز مسيرة العناء والمجازفة شو بتقول؟... أبو حافظ: الحياة نضال ويجب على الإنسان أن يتابع مشوار الحياة بالنضال. رَحِم الله مصطفى كامل عندما قال (لا حياة مع اليأس ولا يأس مع الحياة) وطالما نحن أحياء يجب علينا أن نتعلم ونكافح حتى نحصل على ما نريد. الشعب العربي الفلسطيني الباقي في الوطن هنا عانى من التفرقة العنصرية بالعمل وبالوظائف وشحّ الخدمات وما زلنا نعاني حتى يومنا هذا. ولو استطاع اليهود ألاّ يبقوا عربيا واحدا في فلسطين لما تأخّروا والسلطات عملت على هذا كل الوقت. لكن لولا صمود شعبنا وإصراره ووقوفه في هذه البلاد لما بقي عربي واحد في فلسطين. رسالتي للأجيال القادمة: الصمود والنضال والتجذُّر بالأرض هو ما يضمن لك البقاء ويعطيك الحياة.


 
 07/07/2010

أضف تعليقا

  أرسل إلى صديق

عن الحقيقة | للإعلان | اتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة للحقيقة